الشيخ الطوسي

259

تلخيص الشافي

الجملة لو اقتصرنا عليها لكانت كافية في ابطال كل شبهة في هذا الباب . لكنما نتكلم على ما ذكروه استظهارا في الحجة ، فنقول : إن أمير المؤمنين عليه السّلام ما حكّم مختارا ، بل أحوج إليه وألجئ إليه لأن أصحابه كانوا من التخاذل والتقاعد والتواكل - الا القليل منهم - على ما هو معروف مشهور . ولما طالت الحروب ، وكثر القتل ، ملوا ذلك ، وطلبوا مخرجا من مقارعة السيوف . واتفق من رفع أهل الشام للمصاحف ، والتماسهم الرجوع إليها والرضا بما فيها - ما اتفق بحيلة عدو اللّه عمرو بن العاص ومكيدته لما أحس بالهلاك وعلو كلمة أهل الحق ، وأن معاوية وجنده مأخوذون ، قد علتهم السيوف ودنت منهم الحتوف . فعند ذلك وجد هؤلاء الأغنام طريقا إلى الفرار ، وسبيلا إلى وقوف أمر المناجزة . ولعل منهم من دخلت عليه الشبهة لبعده عن الحق وغلط فهمه ، وظن أن ما دعوا إليه من التحكيم ، وكف الحرب على سبيل البحث عن الحق هو الحجة ، ولم يفطن بمكان المكيدة والخدعة ، فطالبوه عليه السّلام بكف الحرب والرضا بما بذله القوم ، فامتنع عليه السّلام من ذلك امتناع عالم بالمكيدة ، ظاهر على الحيلة . وصرح لهم بأن ذلك مكر وخديعة ، فأبوا وألحوا ، فاشفق عليه السّلام في الامتناع عليهم والخلاف لهم - وهم جمهور العسكر وجمهرة أصحابه - من فتنة صماء « 1 » هي أقرب إليه من حرب عدوه ولم يأمن أن يتعدى ما بينه وبينهم إلى أن يسلموه إلى عدوه أو يسفكوا دمه ، فأجاب إلى التحكيم على مضض ، ورد من كان أخذ بخناق معاوية وقارب تناوله وأشرف على الظفر به ، حتى أنهم قالوا للأشتر « 2 » - وقد امتنع من الكف عن القتال

--> ( 1 ) الصماء - بالتشديد - : مؤنثة الأصم ، وهي الداهية الشديدة . وجمعها ( صم ) بالضم فالسكون . ( 2 ) مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي المعروف ب ( الأشتر ) ( - 37 ه )